تراب تحت أقدامنا

 جيني غوسطافسونكتابة
 جيني غوسطافسونتصوير
 يارا ورد، انجلا سعادةبحث
 نسرين كاجتحرير
 فوزي يمينترجمة

هادي عواضة في حديقة منزل عائلته في كفركلا، على الحدود الجنوبيّة

هادي عواضة يمسك بزهرة أبو طيلون

كانت الحديقة الصغيرة تضمّ أنواعًا مختلفة من النباتات، بما في ذلك أشجار صنوبر شاهقة زرعتها عائلته منذ أكثر من 25 عامًا. أمّا اليوم، وباستثناء الزهرة التي يحملها وبعض النباتات القليلة المتبقّية، أصبحت الأرض جدباء تمامًا. كفركلا هي إحدى القرى الحدوديّة العديدة التي دُمّرت بشكل شبه كامل جرّاء الهجمات الإسرائيليّة التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

“إنها صالحة للأكل، يمكنك التهام أوراقها، لكنّي لا أنصح بذلك؛ فمن المحتمل أن تكون قد امتصّت كمّيات كبيرة من المعادن الثقيلة.”

يشرح هادي عواضة، مرتديًا قميصًا أسود وقبّعة قطنيّة، وهو يرفع بيده برعم زهرة برتقاليًّا زاهيًا على شكل كرة، ويقف في حديقة منزل عائلته في كفركلا، القرية التي تقع على الحدود الجنوبيّة للبنان.

يسير هادي عبر الحديقة الصغيرة إلى حيث ينتصب برميل معدنيّ كبير على الأرض. يرتدي قفّازين رقيقين، ويمسك البرميل، ثمّ يبدأ بتفريغ محتوياته في دلو. تتساقط قطع من مخاريط الصنوبر المتفحّمة وأغصان الأشجار واحدة تلو الأخرى، يتبعها سحابة من الرماد.

القطع المتفحّمة هي ما يُعرف بالفحم الحيويّ، وهو نوع من الفحم، غنيّ بالكربون يتمّ صناعته جرّاء حرق أنواع مختلفة من المواد العضويّة. لهذا السبب جاء هادي إلى كفركلا اليوم. فعند إضافته إلى التربة، سيساعد الفحم الحيويّ على إزالة السموم من الأرض الملوّثة.

بهذا الخصوص يوضح هادي وهو يتجوّل بين الأنقاض في الحديقة: “قريتُنا من أكثر القرى تضرّرًا. تقريبًا اختفى كلّ منزل فيها.” يقول هذا بينما يمتدّ خلفه ما كان يُعرف بمنزل العائلة، الذي بنته عائلة والدته عام 1982، ولم يتبقَّ منه الآن سوى كومة ضخمة من الأنقاض، حيث تبرز في أماكن عديدة متفرّقة، قضبان من “الحديد المسلّح” كأرجل العنكبوت، وعلى سطحه تعكس ألواح الطاقة الشمسيّة المكسورة أشعّة الشمس.

عندما بدأ غزوه البرّي للجنوب، اقتحم الجيش الإسرائيليّ المنزل واتّخذه قاعدةً له، ثمّ دمّره قبل أن يغادر، تاركًا على جدرانه الداخليّة أسماء الجنود وجداول مناوباتهم.

تنخفض الطائرة المسيّرة أكثر، وتبدأ بالدوران فوق رأس هادي كاسرة الصمت الهائل حيث لا أحد من حولنا، إذ تمّ تدمير جميع المنازل المجاورة بالجرّافات والتفجيرات.

فجأةً، دوّى صوت انفجار هائل في الأجواء، كما لو أنّ قنبلة سقطت في الحديقة المجاورة. إنها ما يُعرف بالقنبلة الصوتيّة، تُستخدم لبثّ الرعب.

يقول هادي: “صنعتُ هذا الفحم الحيويّ ممّا كان ينمو في حديقتنا. إنّي أقوم بإعادة الحياة إلى أرض تعرّضت للهجوم”.

وبينما كان يُفرغ البرميل، ملأ صوت أزيز حادّ الفضاء فجأة. إنه الصوت المألوف لطائرة مسيّرة تحلّق على ارتفاع منخفض، فالجيش الإسرائيليّ يستخدم الطائرات المسيّرة لمراقبة لبنان منذ بداية هجماته.

يتمّ تفريغ محتويات برميل مليء بالفحم الحيويّ المصنوع من نباتات الحديقة، في دلو

يركن هادي سيّارته في الخارج، ويدخل ليجلب غرضًا من المطبخ. فالمطبخ مليء بأغراض من منزله السابق في كفركلا: أكواب، أوانٍ ومرطبانات تحوي مؤونة السنة الفائتة.

يوضح هادي: “أجمع قدر ما أستطيع من أغراض منزلنا، كلّ ما لم يتمّ تدميره”.

في غرفة المعيشة، مجموعة من جنود اللعب المصغّرين فوق المدفأة، بجوار شظيّة مُتفجّرة. وعلى الحائط ملصق عليه رسمٌ لهادي مع أحد أصدقائه وهما في ورشة عمل حول الزراعة المُستدامة.

يلتقط هادي دلو الفحم الحيويّ، ويُلقي به في صندوق شاحنته، ثمّ يقفز داخلها ويرجع القهقرى إلى خارج الحديقة. يُغلق البوّابة خلفه، ويُقفل أبواب ما كان يومًا منزلًا مُحاطًا بالأشجار والأزهار، منطلقًا بسيّارته بعيدًا عن كفركلا.

وبينما يُغادر القرية، يخفت صوت الطائرة المُسيّرة وسط ضجيج الشاحنة، لسرعان ما يختفي كلّيًا. يُواصل هادي القيادة حتى يصل إلى منزل آخر يُطلّ على مساحات من الحقول الخضراء والبنّية اللون. إنّه المكان الذي اتّخذه مسكنًا له منذ بداية الحرب. مكان قريب، لكنّه بعيد عن الوطن.

يقول هادي: “في أثناء تلك الصيفيّات في كفركلا، نما في داخلي ولعٌ بالأرض، رغم أنّ اهتمامي بالزراعة ينبع أساسًا من جوانبها الاجتماعيّة والسياسيّة والبيئيّة”.

ويضيف: “أؤمن بسرد القصص عن أرضنا وتاريخنا. فهذا نوع من المقاومة، المقاومة الثقافيّة. ولطالما قاومنا بالصمود في أرضنا”.

يُفصِح: “كلّ هذا ذكريات. أحاول أن أخلق مكانًا يشبه منزلنا في كفركلا، بيتًا يبدو أنه بيتي الخاصّ”.

في طفولته، كان هادي يقضي معظم أيّام السنة في بيروت، لكنّه كان يمضي فصل الصيف وعطلات نهاية الأسبوع في كفركلا، حيث كانت تعيش جدّته وأعمامه. كانت العائلة تزرع محاصيل كاللوز، والجوز، والخوخ، والرمّان، والتوت قرب المنزل، والزيتون في قطعة أرض مجاورة.

يشرح: “منذ البداية، أدركتُ فورًا أنّ الحرب ستكون طويلة. كما أدركتُ أنه يتعيّن علينا إيجاد سبُل لإنقاذ الأرض التي يتمّ تدميرها”.

بالنسبة له، كان ذلك يعني اللجوء إلى المعالجة الحيويّة، وهي طريقة تستخدم عوامل بيولوجيّة كالفطريّات، النباتات والكائنات الدقيقة، لتحييد أو إزالة الموادّ الخطرة من التربة.

ويردف: “تُعنى المعالجة الحيويّة بتغذية التربة لاستعادة قدرتها على المناعة. إنّها تُعالج الأرض بطرُق طبيعيّة”.

ولطالما كانت فكرة “الصمود”، أي الثبات والمثابرة، سمة بارزة في مقاومة احتلال فلسطين، وكذلك في مقاومة الظلم في جنوب لبنان. فطوال سنوات الاحتلال الإسرائيليّ الطويلة لجنوب لبنان، بقيت العائلات صامدة في أراضيها، مثابرة على الزراعة والحصاد. وفي عام 2025، قام الناس بالأمر نفسه، حيث رجع الكثيرون وحاولوا إعادة بناء حياتهم في كفركلا ومناطق أخرى، حتى مع استمرار الهجمات.

يخرج هادي مجدّدًا من المنزل، ويشرع في تفريغ الأغراض من الشاحنة. فإقامته في هذا المنزل المستأجر مؤقّتة، وهو لا يعلم إلى متى ستدوم.

يستخدم هادي أيضًا السماد العضويّ المصنوع ممّا هو متوفّر في منطقته، ويخلطه مع الفحم الحيوي. بهذه الطريقة، تُساعد الكائنات الدقيقة الموجودة في التربة على استصلاح الأراضي المتدهورة والمتضرّرة. وهذا ما يختلف عن النهج المُستخدَم في الزراعة التقليديّة، حيث تُضاف مُدخلات خارجيّة كالمواد الكيميائيّة والمبيدات. فبدلًا من إنقاذ التربة، تُساهم هذه المُدخلات في إجهادها وتدهورها.

يقبض هادي على حفنة من الفحم الحيويّ من الدلو الموجود في مؤخّرة شاحنته. قطعُ الفحم هذه خفيفة جدًّا، تكاد لا تزن شيئًا.

يعلن: “من الجيّد دائمًا اللجوء إلى المعالجة الحيويّة، أيًّا كانت الظروف. حتى قبل الحرب، كانت أوضاع أراضينا متدهورة. كنا ندمّر التربة بممارساتنا الزراعيّة”.

ومن بين هذه الطرُق استخدام الفحم الحيويّ، الذي يعمل كمرشّح طبيعيّ لامتصاص السموم، والموادّ الكيميائيّة، والمعادن الثقيلة من التربة.

وتضيف ليلى درويش التي تعمل مع هادي، وهي مُدرِّبة ومتخصّصة في المعالجة الحيويّة: “تمّ استخدام الفحم الحيويّ في أماكن وسياقات مختلفة. فعلى سبيل المثال، استُخدم في روسيا بعد التسرّبات النفطيّة، وفي أوكرانيا والبوسنة حيث تدهورت أحوال الأراضي بسبب الحرب”.

تقول: “الجميل في الأمر أنّه يُبعدنا عن التفكير وفق المنطق التقليديّ القائل “ما المعضلة، وكيف نقضي عليها؟”، فالمعالجة الحيويّة تعني السماح للكائنات الحيّة المفيدة بالتغلّب على الضارّة”.

لطالما حظيت التربة بأهمّية خاصّة عبر مختلف الثقافات والحضارات. فقد نُظر إلى الأرض كإلهة أنثويّة، مرتبطة بالخصوبة وولادة البشر والنباتات والحيوانات. والفيدا التي هي من أقدم النصوص في العالم، تصوّر الأرض أمًّا والبشرية نسلها. وينسحب الأمر نفسه على قصص بلاد ما بين النهرين التي تعتبر أنّ أول إنسان خُلق من الطين، وأيضًا على المعتقدات المصريّة القديمة التي تعتقد أنّه كُوِّن من عجلة فخّار. كما رأت النصوص اليونانيّة والرومانيّة أنّ الأرض “أمّ الكل” – حتى وإن كانت الأساطير اليونانية تُفضّل عمومًا النبوءات المرتبطة بالسماء وليس بالأرض.

ويضيف: “عرفت الحضارات السابقة هذا الأمر قبلنا، وكان لديها طرُقها المختلفة لإدارته”.

في الواقع، الفحم الحيويّ ليس اختراعًا جديدًا. وإنّ استخدامه هذا يستند إلى معارف السكّان الأصليّين التي تعود إلى عصور موغلة في القدم. فلقد استخدم سكّان حوض الأمازون المواد العضويّة الغنيّة بالكربون عمدًا، لإثراء التربة وتحسين جودتها. ولا تزال طبقات التربة الخصبة المعروفة باسم “الذهب الأسود” أو “التربة الداكنة الأمازونيّة”، موجودة في هذه المنطقة. إلّا أنّ معرفة الفحم الحيويّ، كغيرها من ثروات السكّان الأصليّين، تلاشت مع وصول كولومبوس الذي مثّل بداية “موت جماعيّ”، حيث قُتل 56 مليونًا من السكّان الأصليّين في الأميركيّتين.

يعيش أكثر من نصف أنواع الكائنات الحيّة على كوكب الأرض في التربة، التي تتنوّع بيولوجيًا أكثر من أيّ بيئة أخرى على وجه الأرض

بمعنى أدق، تُشكّل التربة الطبقة السطحيّة لكوكبنا. وعلى عكس التراب العاديّ، فهي ليست راكدة أو ميتة، بل مليئة بالحياة. في الواقع، تُعدّ التربة أكثر موئلًا للتنوّع البيولوجيّ على وجه الأرض، بما يفوق جميع الغابات الاستوائيّة مجتمعة. فملعقة صغيرة من التربة، تحوي كائنات حيّة دقيقة أكثر من عدد البشر في الأرض.

يقول هادي: “لم تتشكّل التربة هكذا كما وجدناها، لا، لقد استغرق الأمر ملايين السنين لتصبح على ما هي عليه اليوم”.

في مختلف الأديان، تبقى التربة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحياة البشريّة. فالكتاب المقدّس يقول: “أنتم من تراب، وإلى التراب تعودون”. وقد جرت التقاليد بإعادة رفات مَن ماتوا في بلاد غريبة إلى أوطانهم منذ اليونان القديمة على الأقلّ، وربّما قبل ذلك. وفي طقوس هندوسيّة مختلفة، تُعبَد التربة أو تُبجَّل، بما في ذلك حرثُ الأرض وصنعُ المصابيح الطينيّة. ويقوم السادو الهندوس، وهم أشخاص مقدّسون، بدهن أنفسهم بالرماد كرمز لزهدهم في الدّنيا. كما أنّ تعريض المرء نفسه للتراب والرماد، يظهر أيضًا في ديانات أخرى منها اليهوديّة والمسيحيّة.

لقد كان تدمير الأراضي جرّاء الهجمات الإسرائيليّة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، واسع النطاق. وبعد أشهر من الصراع العنيف، دخل وقفُ إطلاق النار حيّز التنفيذ في أواخر عام 2024، إلّا أنه لا يزال قيد الانتهاك. في هذا المجال، أحصت منظّمة ACLED وهي هيئة مراقبة مستقلّة، 1846 هجومًا إسرائيليًا بعد عام واحد من بدء وقف إطلاق النار. كما وثّقت قوة الأمم المتحدة المؤقّتة 10,000 انتهاك خلال الفترة نفسها، شملت أنشطة برّية واختراقات للمجال الجوّي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أي بعد أقلّ من عام على وقف إطلاق النار، أفادت الأمم المتحدة بمقتل 127 مدنيًّا، ووثّقت منظمة Human Rights Watch “مراقبة حقوق الإنسان” الاستهداف الممنهج لجهود إعادة الإعمار في جنوب لبنان، بما في ذلك المباني السكنيّة والمعارض ومرافق الجرّافات والحفّارات.

في العام الماضي، قام معرضٌ في سومرست هاوس في لندن بدعوة زائريه إلى التفكير في التربة وعلاقتها بالحياة البشرية. ولقد وصف هذا المعرض التربة بأنها “عالمٌ خفيٌّ تحت أقدامنا، ونظامٌ بيئيٌّ غنيٌّ بالحياة، تمامًا كما تزخر سماء الليل بالنجوم”. وأكّد أنّ علاقتنا بالتربة هي “صلتُنا بالأرض نفسها. فبدون التربة، لا وجود لنا”.

كما تُعدّ التربة أيضًا من أكثر موارد العالم عرضةً للخطر. فهي تتأثّر بتغيُّر المناخ، وتدهوُر الأراضي، وفقدان التنوّع البيولوجي، فضلًا عن الصراع المدمِّر كما هو الحال في جنوب لبنان. وتُشير دراسة حديثة إلى أنّ نحو ثلث مساحة اليابسة على كوكب الأرض متدهورة بشدّة. والأكثر من ذلك، إنّ عمليّة التدهور مستمرّة: فنحن نفقد التربة الخصبة بوتيرة أسرع بكثير من وتيرة استعادتها.

خريطة من إعداد "الأشغال العامّة"، وهو استوديو بحث وتصميم متعدّد التخصّصات، تُصوِّر الدمار الذي لحق بقرية كفركلا

يقول ريان علاء الدين، الباحث في “الأشغال العامة”: “تلقّت البلدات الواقعة على طول الحدود، وغاباتها، النصيب الأكبر من الهجمات”.

ويضيف: “هذه مناطق مصنّفة على أنها تحوي ثروة زراعيّة ذات أهمّية وطنيّة، وتضمّ أودية وغابات ومناطق ذات ترابط طبيعيّ”.

ولا يُعدّ الفوسفور الأبيض الخطر الوحيد الذي يهدّد جنوب لبنان. فلا تزال العديد من المواد السامّة والضارّة الأخرى موجودة في الأرض بعد هجمات إسرائيل، كالمواد الكيميائيّة من الطلاءات والبلاستيك والدهانات والمواد اللاصقة، إضافة إلى الملوّثات من المركبات المتضرّرة، والألواح الشمسيّة، ومرافق تخزين الوقود، وغيرها من المصادر.

يخطو هادي بضع خطوات ويجلس في كرسيّ تحت شجرة كبيرة وارفة الظلال. تمتدّ أمامه حقول واسعة حتى بلدة الخيام البعيدة. والوادي أشبه ببحيرة كبيرة، لكنّها تكتسي بالخضرة بدلًا من الماء.

وفي قضاء النبطيّة حيث تقع قرية كفركلا، تضرّرت 27% من المؤسّسات التعليميّة، و82% من منشآت الكهرباء العامّة، و33% من مرافق المياه. أمّا الخسائر البيئيّة في جنوب البلاد ووادي البقاع ومناطق أخرى، فهي هائلة. وتشير تقديرات البنك الدوليّ (من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قبل وقف إطلاق النار) إلى أنّ الأضرار البيئيّة بلغت 221 مليون دولار، والأضرار الزراعيّة 124 مليون دولار.

في جميع أنحاء الجنوب، تستخدم إسرائيل الفوسفور الأبيض، وهي مادّة شديدة التفاعل، تشتعل في الهواء وتسبّب حروقًا بالغة وأضرارًا تنفّسية. كما أنّها تُقلّل من إنتاجيّة الأراضي، وتترك وراءها مخلّفات سامّة تدوم لسنوات. وهذه ليست المرّة الأولى التي تستخدم فيها إسرائيل الفوسفور الأبيض في لبنان، فلقد وثّقت الجامعة الأميركيّة في بيروت عدّة حوادث مماثلة سابقة، منها في أعوام 1982 و1993 و1996 و2006. كما رصدت “الأشغال العامّة”، وهي استوديو بحث وتصميم متعدّد التخصّصات، 272 هجومًا على لبنان استخدمت فيها إسرائيل الفوسفور الأبيض.

جزء من الوادي لم يُزرع هذا العام. فالأرض جرداء وخالية من الحياة. وهي قريبة جدًا من الحدود لدرجة لا يُخاطر المزارعون بالذهاب إليها.

يضيف هادي: “يريد الناس أن يعيشوا فحسب. هذه منطقة زراعيّة، والمزارعون يريدون فقط الاعتناء بأرضهم”.

فجأة، يظهر ضوء ساطع في سماء بلدة الخيام، ويهوي نحو الأرض تاركًا وراءه ذيلًا من الدخان الشاحب. إنّها قنبلة ضوئيّة أسقطها الجيش الإسرائيليّ.

يقول هادي: “منذ بداية الحرب، رأينا صواريخ وقذائف تسقط مباشرة أمامنا”.

منزل عائلة هادي في كفركلا الذي دمّره الجيش الإسرائيليّ خلال غزوه البرّي

الفكرة هي أنّ العمليّات الحيويّة الأساسيّة تحدث باستمرار تحت أقدامنا، من خلال تبادل مستمرّ للماء والمغذّيات والكربون بين الكائنات الحيّة الدقيقة، كالفطريّات والبكتيريا والدّيدان الخيطيّة الصغيرة جدًّا.

يضيف هادي: “هكذا تعمل الأرض. فلكي تكون صحّية، ينبغي أن تعمل شبكة الغذاء في التربة بكاملها، وإلّا لن ينمو شيء”.

يسحب هادي من جيبه ورقة تحوي رسومات وأسهمًا، ويفلشها على الطاولة. يقول التقرير: “شبكة الغذاء كامنة في التربة”، موضحًا أنّ هناك شبكة تحت الأرض بين الأشجار والنباتات والكائنات الحيّة المختلفة.

يشرح هادي: “هناك شبكة متكاملة تحت أقدامنا، حيث كلّ شيء في التربة مترابط، ولكلّ كائن حيّ فيها دورٌ هامّ”.

قنبلة ضوئيّة تُلقى على بلدة الخيام المجاورة، كما تُرى من الحديقة التي يقيم فيها هادي

يوضح: “لهذا السبب ما زلتُ هنا ولم أغادر الجنوب. أنا هنا لأقنع الآخرين بالعمل معًا. لا أتحدّث إلى الناس من بعيد. فنحن نعمل معًا، ونخاطر معًا”.

بعد أشهر طويلة من الهجمات على الجنوب، كان هذا ما يسعى هادي إلى استعادته: صحّة الأرض بمساعدة الفحم الحيوي وغيره من أساليب المعالجة الحيويّة.

في عام 2000، أُجبرت إسرائيل أخيرًا على مغادرة جنوب لبنان. حينها زرعت عائلة هادي أشجار صنوبر في حديقتهم في كفركلا، وقد تمّ تدميرها اليوم. لكن أشجار الصنوبر لم تختفِ إلى الأبد. فقد حوّل هادي مخاريطها وأغصانها وقطعها المكسورة إلى فحم حيويّ، يستخدمه لإعادة الحياة إلى الأرض.

“إنها مسألة سياسيّة. سياسة الحياة اليوميّة. إنّ التواجد في الجنوب والقيام بما أفعله لتجديد التربة، هما السياسة”، كما يقول.

ظهر رجل وجلس بجوار هادي في ظلّ الشجرة. كان هذا الرجل هو صاحب المنزل الذي استأجره منه هادي. بدأ الاثنان بالحديث عن تاريخ المنطقة. لم تقتصر الهجمات على فلسطين عام 1948، بل استهدفت أيضًا القرى اللبنانيّة من قبل الجيش الإسرائيليّ الذي تمّ إنشاؤه حديثًا. في قرية الحولا، على بُعد حوالي 10 كيلومترات، أُعدم أكثر من 80 شخصًا. وفي عام 1978 الذي مثّل بداية ما سيصبح احتلالًا دام 20 عامًا، قُتل مدنيّون في العديد من البلدات والقرى المجاورة، بما في ذلك بلدة الخيام على الجانب الآخر من الوادي (تشير مصادر مختلفة إلى أنّ عدد الضحايا يتراوح بين 31 و100).

الخاتمة

بينما ننشر هذا التقرير، يقوم الجيش الإسرائيليّ بدعم عسكريّ من قوى عالميّة مختلفة وموافقة ضمنيّة أو صريحة من جهات أخرى، بتكثيف هجماته على جنوب لبنان. والمنطقة المحيطة بكفركلا، حيث تدور أحداث هذه القصّة حول سحر الأرض، تتعرّض للقصف وتواجه بوادر غزو برّي جديد. في أوائل مارس/آذار، وفي إطار الحرب الأميركيّة – الإسرائيلية على إيران، والتي انخرط فيها حزب الله بعد انتهاكات إسرائيليّة متكرّرة لوقف إطلاق النار، أصدر الجيش الإسرائيليّ أمرًا بالإخلاء القسريّ، مُطالبًا السكان بمغادرة جزء كبير من جنوب لبنان. كما تمّ توسيع نطاق الأمر لاحقًا، باستخدام التهديدات والقوّة من جديد، ليشمل الآن ما يقرب من 1500 كيلومتر مربّع، أي 14% من مساحة البلاد. وقد نزح أكثر من مليون شخص من أراضيهم ومنازلهم جرّاء الهجمات المستمرّة. لا يزال مستقبل الجنوب غامضًا. هادي، الذي نحاوره في هذه القصّة، هُجّر مرّة جديدة من منزله: ليس فقط من منزل عائلته في كفركلا الذي كان قد دُمّر من قبل، إنّما أيضًا من المنزل المجاور حيث أقام بعد ذلك فيه.